السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

246

فقه الحدود والتعزيرات

أقول : قد بحثنا عن المسألة في أبحاثنا حول القضاء « 1 » ، عند قول المحقّق رحمه الله : « الأولى : الإمام عليه السلام يقضي بعلمه مطلقاً ، وغيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس ، وفي حقوق اللَّه سبحانه ، على قولين ؛ أصحّهما القضاء . . . » « 2 » ورجّحنا هناك جواز الحكم بعلم القاضي مطلقاً ؛ لأنّه لو قلنا بعدم جواز القضاء إلّا بالبيّنة ، أو الإقرار ، للزم تعطيل الأحكام في كثير من الموارد ، وما ذاك إلّا لندرة وجودهما . ولا يخفى أنّ المراد من العلم هو الاطّلاع الجازم الحاصل بالحسّ أو الحدس القريب من الحسّ ، وعلى هذا فالعلم الحاصل من غير الطرق العاديّة ، مثل الإلهام والكشف ، أو الرمل والجفر وغيرها ، لا يمكن الاستناد إليه . نعم ، يمكن أن يستثنى من ذلك ، العلم الحاصل للقاضي بالجرائم الأخلاقيّة الجنسيّة نظير الزنا ، واللواط ، والمساحقة ؛ وذلك لما يظهر من إمعان النظر في بعض الأحاديث الواردة في مواردها . ومن جملة ذلك ما رواه صالح بن ميثم عن أبيه ، قال : « أتت امرأة مُجِحّ « 3 » أمير المؤمنين عليه السلام ، فقالت : يا أمير المؤمنين ! إنّي زنيت فطهّرني طهّرك اللَّه ، فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع . فقال لها : ممّا أطهّرك ؟ فقالت : إنّي زنيت . فقال لها : وذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت أم غير ذلك ؟ قالت : بل ذات بعل . فقال لها : أفحاضراً كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم غائباً كان عنك ؟ قالت : بل حاضراً . فقال لها : انطلقي فضعي ما في بطنك ، ثمّ ائتني أطهّرك . فلمّا ولّت عنه المرأة ، فصارت حيث لا تسمع كلامه ، قال : اللهمّ إنّها شهادة ، فلم تلبث أن أتته ، فقالت : قد وضعت فطهّرني . قال : فتجاهل عليها فقال : أطهّرك يا أمة اللَّه ممّا ذا ؟ قالت : إنّي زنيت فطهّرني . قال : وذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت ؟

--> ( 1 ) - راجع : فقه القضاء ، ج 1 ، صص 290 - 307 . ( 2 ) - شرائع الإسلام ، ج 4 ، ص 67 . ( 3 ) - امرأة مُجِحّ : التي حملت ، وعظم بطنها ، وقربت ولادتها .